Accéder au contenu principal


          أيوب اللبار طالب باحث في ماستر العدالة الجنائية و العلوم الجنائية


مقال تحت عنوان 



   طبيعة الرقابة على دستورية القوانين
إن الرقابة على دستورية القوانين تتخذ شكلين: رقابة سياسية (قبلية) ورقابة قضائية (بعدية)، ويقصد بها عملية التحقق من مدى تطابق القوانين للدستور، لذلك يصطلح عليها بالرقابة الدستورية، عن طريق معاينة مطابقة القوانين للدستور، قبل إصدارها، أو بعد أن تصبح نافذة، وبذلك تتخذ مسألة مراقبة دستورية القوانين طريقتين: الرقابة الوقائية وتمتد أيضا إلى النظام الداخلي لمجلسي النواب والمستشارين الذي لا يخضع لمسطرة الإصدار[1]وهي رقابة وجوب بإحالة من طرف رئيس كل مجلس[2] ، عكس القانون العادي الذي لا يخضع للرقابة الدستورية إلا بناء على طعن يمارسه ذوي الصفة وهي ما تعرف بالرقابة السياسية، و الرقابة القضائية التي تكون في شكل مراقبة عن طريق دعوى أصلية أي رقابـة الإلغاء، أو المراقبة بواسطة الدفع أي رقابة الامتناع.
في الحالة التي تقام بشأنها دعوى لدى الهيئة القضائية المختصة للنظر في الطعن المتعلق بعدم دستورية القانون، إنما يراد من تلك الدعوى إصدار حكم يقضي بدستورية القانون أو عدم دستوريته. فإذا صرح القضاء بعدم دستورية القانون فإنه يعلن إبطاله و إلغاءه. و هذا الطريق من الطعن يعتبره الفقه الدستوري برقابة الإلغاء. أما الرقابة عن طريق الدفع أو رقابة الامتناع فتكون عندما يقرر القاضي استبعاد العمل بقانون معين، و لا يعمل بمقتضياته بناء على دفع يثار من أحد أطراف الخصومة، و القانون الذي استبعد يوصف بأنه غير مطابق للدستور أو كونه غير دستوري.

ü    أولا :الرقابة السياسية (القبلية)


يبث المجلس الدستوري في مسألة الرقابة داخل أجل شهر من تاريخ إحالة القوانين التنظيمية أو القانون عليه، و يمكن أن يخفض الأجل إلى ثمانية أيام في حالة الاستعجال، كما يجب الذكر إلى القوانين التنظيمية تحال وجوبا عل المجلس و القوانين العادية بصفة اختيارية، وإحالة القانون العادي قبل صدور الأمر بتنفيذه  على المجلس يعد أمرا اختياريا وقاصرا على سلطات مختصة حددها الفصل 61 من دستور 1958 في رئيس الدولة و الوزير الأول ورئيسي مجلسي البرلمان من إحالة القوانين إلى المجلس لكي يبث في مطابقتها للدستور.ومند التعديل الدستوري لسنة 1974 أصبح من حق 60 عضو من أعضاء الجمعية الوطنية أو من مجلس الشيوخ إحالة القوانين على المجلس الدستوري من أجل إثارة مسألة الدستورية[3].
وتسمى بالرقابة السياسية [4] لكونها رقابة قبلية تتولاها هيئة دستورية تتكون من أعضاء ينتدبون عن طريق مسطرة التعيين يفترض فيها الاستقلالية عن جميع السلطات  التنفيذية والتشريعية و القضائية  لكونها تمارس اختصاصات قضائيـة قبل إصدار القانون ليكون نافذا.  ويصفها الفقه الدستوري بالرقابة الوقائية، وظيفتها التحقق من مطابقة التشريع للدستور.
فهي بذلك رقابة قبلية أو سابقة على إصدار القانون، بحيث لا يكون القانون نافذا إلا بعد إعمال مبدأ الرقابة من طرف الهيئة المسند إليها ممارسة الاختصاص المذكورعادة ما تتولاه  المحكمة الدستورية، و ذلك تبعا للأنظمة الدستورية لكل بلد. ففرنسا تعتبر الوطن الأم لنشأة هذا النوع من الرقابة[5]، يضطلع بها المجلس الدستور،وفقا لما قرره دستور 1958 في المادة 56. وفي المغرب اضطلعت بتلك الوظيفة في البداية الغرفة الدستورية[6] (دستور 1962  ثم المجلس الدستوري (دستور 1992 والتأكيد عليه في دستور 1996) ليتقرر في دستور 2011 تسمية الهيئة بالمحكمة الدستورية، وهذا الشكل من الرقابة عادة ما يفحص دستورية القوانين ومدى ملائمتها مع الحقوق و الحريات  والنظر في الطعون الانتخابية التي تهم الانتخابات التشريعيـة الخاصة بمجلس النواب ومجلس المستشارين ،وهي إما رقابة اختيارية أو رقابة وجوبيه تسمى بالرقابة الأصلية، لكن قد يحث أن تمارس الهيئة المكلفة بالرقابة الدستورية على القوانين رقابة عرضية قد تعاينها بمناسبة النظر في طعن معروض عليها .

ü    ثانيا : الرقابة القضائية (البعدية)

يمنحنا الاطلاع على تجربة الرقابة القضائية في الولايات  المتحدة الأمريكية حرية وصفها الدولة الرائدة في هذا المجال وقد زكى العديد من الأساتذة والباحثين هذا الطرح.
وبما أن الاختصاص  التقليدي للقضاء الدستوري هو مراقبة دستورية القوانين فإن هذه المراقبة تختلف باختلاف الأنظمة السياسية السائدة في العالم فهناك من الدول من تبنت الرقابة السياسية على الرغم من أن طريقة عمل هذه الرقابة تعد من الأعمال  القضائية (فرنسا) وهناك من اسند مهمة مراقبة دستورية القوانين إلى جهاز قضائي وهنا يحضر بقوة النموذج الأمريكي.
والرقابة القضائية بصفة عامة هي وسيلة تتم من خلال جهاز قضائي للتحقق من مدى دستورية القوانين وهذه المهمة يتولاها قاض وعمله قانوني محض ويتلخص في التحقق من مدى مطابقة القانون لأحكام الدستور، ونشير إلى أن كثيرا من الدول اتجهت إلى الأخذ بنموذج الرقابة القضائية التي تتضمن صورتان وطريقتان حسب القانون الدستوري المقارن.
1.الرقابة عن طريق الدفع
2.الرقابة عن طريق  فع دعوى أصلية بعدم الدستورية
وبالرجوع إلى منطوق حكم القاضي الأمريكي مارشا في قضيته "مار بوري ضد ماديسون" والتي قال فيها "مادام الدستور هو القانون الأسمى للبلاد فإنه لا يكون للتفرقة بين القانون الأسمى والقوانين العادية أية قيمة إلا إذا تقيدت السلطة التشريعية في نشاطها  بحدود ذلك الدستور فيما يصدر عنها من قوانين فإذا خالفت  القوانين الصادرة عنها نصوص الدستور وغدت باطلة وغير قانونية...".
فالقضاء الأمريكي اعتبر أن مهمته في ممارسة الرقابة تشكل جزءا من وظيفته ويرجع ذلك إلى سنة 1803 من خلال الحكم في هذه القضية ( ماربوري ضد ماديسون)[7].
ومن هذه الحالة التي فصل في القضاء الدستوري الأمريكي نستنتج أن الرقابة القضائية على أعمال السلطة التشريعية في الولايات المتحدة الأمريكية لا تقتصر على رقبة المحكمة العليا أو المحكمة الاتحادية، بل تتعداها إلى جميع أنواع التحكم باختلاف  درجتها وأنوعها.
ويعتبر هذا الأسلوب المستجد من الرقابة الدستورية على القوانين الذي جاءت به المراجعة الدستورية لسنة 2011 من إحدى الدعائم الأساسية لقيام دولة الحق والقانون ورغبة أكيدة نحو إعادة الاعتبار إلى الشرعية الدستورية كأساس لقيام الدولة بمختلف أجهزتها ومؤسساتها .كما أن العمل بمبدأ الرقابة القضائية اللاحقة على دستورية القوانين لم يكن ممكنا في ظل الدساتير السابقة للنظام السياسي المغربي إلا بعد العمل بدستور 2011 وذلك سواء عن طريق الدعوى الأصلية كطعن مباشر أو عن طريق الدفع الفرعي كطعن غير مباشر حيث أجمعت جميع الدساتير السابقة من سنة 1962 إلى سنة  1999  على أن الأفراد لا يسوغ لهم التقاضي أمام الغرفة الدستورية أو المجلس الدستوري ولا أمام المحاكم القضائية كما أنها لم تخص أي جهة قضائية البت في دستورية قانون بمناسبة نظرها في النزاع المعروض عليها[8] .
وهذا المقتضى الدستوري سيفتح الباب أمام مراقبة مدى مطابقة القوانين السارية المفعول قبل صدور الدستور وبعده خاصة في الشق المتعلق بالمساس بالحقوق والحريات التي يضمنها هذا الأخير مما سيساهم لا محالة في حماية وتعزيز الأمن القانوني بعد تنزيل هذا المقتضى الذي يسمح للمتقاضين باللجوء إلى المحكمة الدستورية وفق مسطرة سريعة غير معقدة ومجانية وذات آثار مباشرة على الدعوى وعلى المقتضيات غير الدستورية على حد سواء.

·        الفرع الأول: الرقابة عن طريق الدفع بعدم دستورية القوانين

تختص المحكمة الدستورية بالنظر في كل دفع متعلق بعدم دستورية قانون أثير أثناء النظر في القضية و ذلك إذا دفع أحد الأطراف بأن القانون الذي سيطبق في النزاع يمس بالحقوق وبالحريات التي يضمنها الدستور [9].
ويحدد القانون التنظيمي شروط واجراءات تطبيق هذا الفصل بحيث يمارس الدفع بعدم دستورية القوانين من طرف المتقاضين بمناسبة نظر محاكم الموضوع في دعوى معروضة عليها، قد تكون محكمة مدنية أو محكمة ادارية أو جنائية أو تجارية بحيث يتقدم المتهم أو المدعي بدفع يتمثل في المطالبة بأن تصرح المحكمة بعدم دستورية قانون معين على القضية موضوع الطعن, لأن القانون المستند إليه في النزاع غير دستوري وهو نظام رقابي ابتدعه القضاء الامريكي و مفاده أن الدفع بعدم دستورية القانون أثناء جريان الدعوى يلزم القاضي وجوبا فحص دستوريته وذلك بالتصريح إما برفض الدفع عندما يتحقق له أن القانون المطعون فيه مطابق لدستور، ويستمر النظر في الدعوى الأصلية، وعند معاينة تعارض القانون مخالفته لدستور، فإن القاضي في هذه الحالة يصرح بإبعاده وعدم تطبيقه، ويفصل في النزاع[10].
وقد يحدث بأن تصرح المحكمة ايقاف البث في النزاع الأصلي المعروض عليها اذا ما تراءى لها أن القانون المطلوب تطبيقه غير دستوري فأنها تحدد أجلا للأطراف برفع الدعوى أصلية أمام المحكمة الدستورية المختصة للنظر في عدم دستورية القانون المذكور إذا ما كان التشريع يسمح بهذا الإجراء, وقد يتحقق عن طريق الإحالة من المحكمة التي تنظر في الدعوى على المحكمة الدستورية لتتولى فحص دستورية القانون المطعون فيه. 
وفي اطار الدفع بعدم دستورية القوانين لابد من الإشارة أن المادة 9 من مشروع قانون المالية رقم 70.19  لسنة  2020 والتي تعد نسخة طبق الأصل لمقتضيات من القوانين المالية السابقة تشكل جريمة مستمرة  بازالة أي مظهر لاجبارية تنفيذ الاحكام القضائية النهائية بتركها معلقة على إرادة الدولة وبمنعها الحجز على أموال الدولة وتعتبر انقلابا  بحق على الفصل 126 من الدستور  وعلى ماهية الدولة الديمقراطية التي عمادها الشرعية وسيادة القانون واحترام احكام القضاء وتشكل جريمة تحقير للمقررات القضائية في ابشع صورها لانها تهين مبدأ المساواة امام القانون والقضاء وتخلق تمييزا للدولة عن المواطنين في مجال التنفيذ.
وهكذا نصت المادة 9 من مشروع القانون المالي الحالي على ما يلي :"
يتعين على الدائنين الحاملين لسندات أو أحكام  قضائية تنفيذية  نهائية ضد الدولة ألا يطالبوا بالأداء إلا أمام مصالح الآمر بالصرف للإدارة العمومية.
 بمعنى أنه في حالة صدور قرار قضائي  نهائي اكتسب قوة الشيء المقضي به يدين الدولة بأداء مبلغ معين ، يتعين الامر بالصرف بصرفه داخل أجل 60 يوما ابتداء من تاريخ تبليغ القرار القضائي السالف ذكره في حدود الاعتمادات المالية المفتوحة بالميزانية .
بحيث يتعين على الامرين بالصرف ادراج الاعتمادات اللازمة لتنفيذ الاحكام القضائية فيي حدود الإمكانيات المتاحة بميزانيتهم .وإذا أدرجت النفقة في اعتمادات تبين أنها غير كافية ، يتم عندئذ  تنفيذ الحكم القضائي بصرف المبلغ المعين  في حدود الاعتمادات المتوفرة  بالميزانية ، على أن يقوم الآمر بالصرف باتخاذ كل التدابير الضرورية لتوفير الاعتمادات اللازمة لأداء المبلغ المتبقي في ميزانية السنوات اللاحقة.
غير انه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تخضع أموال وممتلكات الدولة للحجز لهذه الغاية .
وبتالي نستنتج ان هذه المادة خطيرة جدا لانها تعصف بالامن القانوني والقضائي وتجعل المقررات القضائية النهائية لا قيمة لها ولا تكتسي أي طابع اجباري بجعل التنفيذ على الدولة اختياري بحيث انه لا وجه لالزامها او اجبارها على التنفيذ لكونها تستطيع تأجيل التنفيذ لسنوات وقرون عديدة دائما بسبب عدم وجود الاعتمادات في الميزانية،وهو ما يعني انهيار الدولة وتحقير مقررات القضاء وضرب في الصميم والعمق لحقوق المواطن[11] .
وتجدر الإشارة في الأخير أن المادة 9من مشروع القانون المالي الحالي كما المشاريع السابقة التي وقع اسقاطها منه  تشكل انتكاسة للدستور ولدولة الحق والقانون وتهديدا حقيقيا وجديا لحصانة الأحكام القضائية ووجوب تنفيذها طبقا للفصل 126من الدستور وتشكل بحق التفافا على المشروعية وسيادة حكم القانون من خلال الانتقاص من أحكام المحاكم وجعلها هي والعدم سواء وخرق مبدأ المساواة أمام القانون والقضاء ،لأنه لا يعقل أن تحصل الإدارة ديونها في مواجهة الأفراد بالسرعة والإجبار والإكراه والحجز المباشر على الأرصدة المالية من خلال تقنية الإشعار للغير الحائز ،فيما تبقى الإجراءات المتخذة بحقها بطلب من المحكوم لهم حبرا على ورق ،فضلا عن أن مشروع قانون المالية غير مختص بتنظيم قواعد التنفيذ الجبري للأحكام، باعتباره قانونا ذا طبيعة مالية ، الشيء الذي يستدعي موقفا واضحا وحازما من جميع المختصين وهيئات المجتمع المدني لرد أي انتهاك يمس بمصداقية القضاء وأحكامه ومبدأ صون الأمن القانوني والقضائي.

·     2: الرقابة القضائية عن طريقي الدعوى الأصلية

يتبين من نوع اختلاف بين طريقة الرقابة القضائية عن طريق الدفع بعدم دستورية القانون و بين  رقابة عن طريق الدعوى الأصلية فهذه الأجهزة تعد إجراء مباشرا يخول للشخص الذي يعترف بدستورية القانون الصادر في حقه، أن يرفع الدعوى أمام القضاء بقصد الطعن  بدون انتظار تطبيقه.
وبمعنى آخر هاته الدعوى  تحرك بمبادرة صاحب  الشأن المتضرر  من القانون الذي يعتقد فيه  عدم الدستورية، فيرفع دعوى مباشرة أمام المحكمة المختصة ملتمسا منها إبطال القانون المخالف للدستور ويرجع قرار إلغاء القانون أو رفض  الدعوى للمحكمة فهي تصدر الحكم بناء على مدى اقتناعها  بمطابقته للدستور عكس ذلك، ونظرا للخطورة المتمخضة على الدعوى الأصلية فإنها لا تعرض على المحاكم كلها إنما تجرؤ إلى محكمة خاصة لاعتبارها   وسيلة هجومية يواجه فيها صاحب الدعوى أي نص قانوني مهما كانت درجته مادام مخالفا للدستور.
في استمرار تباين خيارات النماذج الرقابية المتبناة في كل دولة نجد أن عدد لا  يستهان به من الدول طبقت وأعلمت نموذج الدعوى على رأسهم الجمهورية الألمانية و التي آمنت بمبدأ حق المواطن في تحريك الدعوى واعتبرت أن في ذلك غايتين  ايجابيتين.
الأولى:ضمان مبدأ كفالة حق التقاضي الذي تجمع عليه كافة دساتير الدول الديمقراطية في العالم.
الثانية: حماية حقوق المواطن الألماني من التعرض لأي ضرر ولو كانت مصدره الدولة، إضافة إلى مساهمة في إقامة العدالة من خلال تحريك الدعوى ضد السلطات العامة للدولة أمام المحكمة الدستورية الفدرالية .
وفي هذا الصدد يرى البعض أن هذا النوع من المراقبة تشكل بعض الإشكاليات على اعتبار صعوبة خضوع القانون المصوت عليه من طرف  ممثلي الشعب لرقابة القضاء، في حالة النزاع بين المجالس النيابية  والجهاز القضائي، إضافة إلى التخوف من تضاعف عدد الدعاوى أمام المحاكم في حال  تمكين المواطنين من تقديم طلبات تهدف إلى إبطال والغاء  القوانين غير الدستورية.
وإن الدستور المغربي نظم موضوع الرقابة على دستورية القوانين فأسندها إلى هيئة بعينها، هي المحكمة الدستورية، التي تنفرد باحتكار مجال الرقابة الدستورية لا تتقاسمه مع أي جهة قضائية أو غير قضائية، فهو اختصاص مطلق.
بحيث أن الدعوى الأصلية تستهدف إلغاء و إبطال القانون غير الدستوري فهي وسيلة هجومية يمارسها الطاعن حيادا عن أي نزاع عندما يقرر الدستور للمحاكم ممارسة اختصاص رقابة الإلغاء، وعلى العكس من ذلك فإنه يستعذر عليها مباشرة الرقابة اللاحقة. خاصة إذا علمنا بأن الدستور المغربي لا يجيز للأفراد والمنظمات و الأحزاب الطعن بعدم دستورية القوانين عن طريق الدعوى الأصلية سواء تعلق الأمر بالرقابة السابقة (الرقابة السياسية) أو الرقابة اللاحقة، وعليه فالرقابة القضائية على دستورية القوانين عن طريق الدعوى مجالها القضاء الدستوري يتولاها قبل إصدار الأمر بتنفيذها تطبيقا لمقتضيات الدستور المغربي بناء على إحالة من ذوي الصفة، عندما تكون الرقابة اختيارية (القوانين العادية) أو ضمن آلية الرقابة الوجوبية عندما يتعلق الأمر بالقوانين التنظيمية، وفي هذه الحالة نكون أمام رقابة الإلغاء السابقة، فرقابة الإلغاء اللاحقة لامكانة لها في الدساتير المغربية باستثناء الحالة الفريدة التي قررها دستور 2011، و المتمثلة في الرقابة عن طريق الدفع لكنها لم تسند إلى المحاكم بل أوكلها المشرع الدستوري إلى المحكمة الدستورية[12].
ويفهم من القانون الدستوري المغربي أنه لا ينص على جواز الطعن في دستورية قانون صدر و أصبح نافذا عن طريق دعوى ترفع بصفة أصلية إلى القضاء للحكم بإلغائه، فهذا الاختصاص تتولاه حصريا المحكمة الدستورية (المجلس الدستوري) ضمن آلية رقابة الإلغاء السابقة على إصدار القانون وليس لاحقة لإصداره، فالدول التي تأخذ بنظام رقابة الإلغاء اللاحقة عن طريق رفع دعوى أصلية عادة ما يتم إسناد الفصل في الدعوى الدستورية إلى محكمة قضائية عليا ينضاف إلى جانب اختصاصها القضائي كدستور سويسرا، كما قد يسند الفصل في الدعوى إلى محكمة دستورية متخصصة ينحصر اختصاصها النظر في الطعون المتعلقة بدستورية القوانين دون غيرها من الطعون، وهو الطريق الذي أخذت به مصر في دستورها الصادر في سنة 1971 الذي بموجبه تم إسناد الفصل في دستورية القوانين إلى المحكمة الدستورية العليا بصفة حصرية[13]، إلا أن النظام الدستوري المغربي لم يأخذ بنظرية رقابة الإلغاء اللاحقة منذ دستور 1962 معتمدا بذلك نهج المشرع الدستوري الفرنسي ذات النزعة الرقابية القبلية أي أخذه برقابة الإلغاء السابقة على إصدار القانون وبذاك لا مجال لممارسة الرقابة القضائية من طرف المحاكم على دستورية القوانين عن طريق الدعوى الأصلية.
هذا التأويل يعتبر في نظرنا خاطئ لأنه لا يجد له سند في الدستور ليمكن القول بان المحاكم ليس من حقها ممارسة أعمال الرقابة على دستورية القوانين العادية، خاصة إذا لم تكن موضوع رقابة سابقة يتولاها المجلس الدستوري (المحكمة الدستورية)، أخذا بعين الاعتبار بأن”السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية[14] ”.
فإصدار قوانين قد تكون ماسة بالحقوق والحريات أجازت التشريعات الدستورية المقارنة الطعن فيها عن طريق الدفع وهو غير طريق الطعن بواسطة دعوى أصلية، في الحالة الأولى يستهدف الدفع التصريح بعدم دستورية القانون لعدم تطبيقه على الدعوى وإبعاده، وفي الحالة الثانية الغاية من الطعن إلغاء القانون.



[1]مصطفى قلوش، رقابة دستورية القوانين على ضوء مقتضيات الفصل 26 من الدستور المغربي، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد  مزدوج 38-39، 2001، ص 43-44 .
[2]راجع الفقرة الثانية من المادة 21 من القانون التنظيمي للمجلس الدستوري
[3]راجع في هذا الصدد الظهير الشريف رقم 1.14.139 الصادر في 16 من شوال 1435 (13 أغسطس 2014) بتنفيذ القانون التنظيمي 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية ( الجريدة الرسمية عدد6288 في 8 ذو القعدة 1435).
[4]Abdeltif MENOUNI, Instituions  politiques et droit Constitutionnel, Tome I, Editions Toubkal, Casablanca, 1991, pp.99
[5]Louis Favoreu , Les Cours Constitutionnelles, 2e édition , Editions PUF , Paris,1992,p.90.
[6]عبد الهادي بوطالب، المرجع في القانون الدستوري والمؤسسات السياسية ، الجزء الأول ، دار الكتاب الدار البيضاء 1979، ص 298
[7]بين رئيس المحكمة العليا أن ذلك جون مرشال 1801-1835 التعارض بين المادة 3 من الدستور الأمريكي والفقرة 13 من النظام القضائي الذي أكد حق القضاء في الامتناع عن تطبيق أي نص قانوني يخالف ما يد في الدستور من نصوص أو أحكام  و أورد حججا يرى فيها هذا النوع من الرقابة رغم خلو الدستور الأمريكي من النص الصريح على ذلك.
[8]https://www.maghress.com/arrifinu/324991 تم الاطلاع عليه في 2 أكتوبر 2019 على الساعة 12:22
[9]الفصل 133 من الدستور
[10] كريم لحرش الدستور الجديد للمملكة المغربية – شرح و تحليل – الطبعة الثانية 2016 ص 259
[11]  الدفع الذي تقدم به محمد الهيني محام بهيئة تطوان  بخصوص عدم دستورية المادة 9من مشروع قانون المالية رقم 70.19لسنة 2020 والجريمة المستمرة  لعرقلة تنفيذ الاحكام



[12]راجع الفصل 133 من الدستور المغربي
[13]هاني علي الطهراوي، النظم السياسية و القانون الدستوري، ، ص.367.
[14]راجع الفصل 107 من دستور 2011 يقابله الفصل 82 من دستور 1996 الذي ينص بأن: القضاء مستقل عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذي

Commentaires